استحقاقُها وترتيبُ مستحقيها، ومتى تكون للأمِّ ومتى تكون للأب، ومسقطاتُها وشروطُ الحاضن، ومعيارُ مصلحة المحضون — دراسةٌ فقهيةٌ نظاميةٌ على ضوء نظام الأحوال الشخصية وأصوله الحنبلية
حمِّل البحث كاملًا (13 صفحة) بصيغة PDF بترويسة المكتب.
يعالج هذا البحث مسألة الحضانة في الفقه الحنبلي والنظام السعودي: ماهيتها وحكمها، وطبيعة الحق فيها ومعيار مصلحة المحضون، وأحقية الأم وترتيب مستحقيها، ومتى تكون للأب، وشروط الحاضن، ومسقطات الحضانة عن الأم، وعلاقتها بالطلاق والفرقة، وانتهاءها وما يتصل بها. وقد بُني على ربط النص النظامي بأصله الفقهي الحنبلي مع العزو المباشر إلى أمهات المصادر (المغني والكشاف) وإلى الأنظمة السعودية الرسمية، وخلص إلى أن معيار مصلحة المحضون هو الناظم الحاكم الذي تُقاس إليه سائر الأحكام.
الحضانة في اللغة مصدر «حَضَنَ»، ومنه حَضَنَ الطائرُ بيضَه إذا ضمَّه إلى نفسه تحت جناحيه، وحَضَنَتِ المرأةُ صبيَّها إذا جعلته في حِضنها وربَّته. وأما في الاصطلاح فهي عند الحنابلة: حفظُ صغيرٍ ومجنونٍ ومعتوهٍ عمّا يضرُّهم، وتربيتُهم بعمل مصالحهم؛ فهي تجمع بين معنى الحفظ من الهلاك والضرر، ومعنى القيام على شؤون المحضون بما يُنميه ويُصلحه. وقد جاء التعريف النظامي مواكبًا لهذا الأصل، إذ عرَّفت المادة (124) من نظام الأحوال الشخصية الحضانة بأنها حفظ من لا يستقل بنفسه عمّا يضرُّه، وتربيته والقيام على مصالحه بما في ذلك التعليم والعلاج، فأضاف النظام ذكر التعليم والعلاج تنصيصًا على دخولهما في مقتضى الحضانة، وهو معنى مرادٌ في كلام الفقهاء ضمنًا.
الحضانة واجبة شرعًا؛ لأن المحضون قد يهلك أو يتضرَّر بترك حفظه، فيجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه. وحكمها الوجوب العيني إذا لم يوجد إلا حاضنٌ واحدٌ، أو وُجد غيره ولكن لم يقبل الصبيُّ سواه، والوجوب الكفائي عند تعدُّد من يصلح للحضانة؛ فالأصل أن لا يُترَك المحضون ضائعًا بحالٍ.
الحقُّ في الحضانة حقٌّ مشتركٌ بين الحاضن والمحضون؛ فهو حقُّ الحاضن من جهة أنه لو امتنع عنها لم يُجبَر عليها ما دام ثَمَّ غيرُه، ولو أسقط حقَّه سقطَ. وهو حقُّ المحضون من جهة أنه إذا لم يقبل غيرَ أمّه، أو لم توجد سواها، تعيَّنت عليها الحضانة وأُجبِرت عليها. وثمرةُ هذا تظهر في تغليب أحد الجانبين عند التعارض. والذي استقرَّ عليه العمل القضائيُّ في المملكة — وهو مقتضى النظام — تغليبُ جانب المحضون، فجُعلت مصلحتُه هي المعيار الحاكم الذي تُقاس إليه سائر الأحكام. وللمحكمة سلطةٌ تقديريةٌ واسعةٌ في ذلك ينطق بها أكثر من نصٍّ في النظام ولائحته.
حضانة الطفل تكون للأبوين معًا ما دام النكاح قائمًا، فإذا افترقا فالأمُّ أحقُّ بحضانة ولدها؛ لما رواه عبد الله بن عمرٍو أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سِقاءً، وحِجري له حِواءً، وإن أباه طلَّقني وأراد أن ينزِعه مني، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنكِحي»، فأثبت لها الأحقية وعلَّق بقاءها على عدم نكاحها أجنبيًّا. ويعضُده قضاء أبي بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه حين نازَع عمرُ بن الخطاب جدةَ ابنه عاصمٍ، فقضى به أبو بكرٍ لها وقال: «ريحها وحِجرها ولطفها خيرٌ له منك حتى يشِبَّ»، فما راجعه عمرُ الكلامَ.
اتفق الفقهاء على تقديم الأمِّ، ثم اختلفوا في ترتيب من بعدها، والأصل المتقرِّر أن الحضانة لا تنتقل من المستحقِّ إلى من بعده إلا إذا أسقط حقَّه أو سقطت عنه لمانعٍ. وفيما يلي إجمال ترتيب المذاهب الأربعة:
| المذهب | ترتيب المستحقين بعد الأمّ (إجمالًا) |
|---|---|
| الحنفية | أمُّ الأمِّ وإن علت، ثم أمُّ الأب، ثم الأخوات، ثم الخالات، ثم بنات الأخوات وبنات الإخوة، ثم العمّات، ثم العصبات من الرجال بترتيب الإرث (الأب ثم الجدّ ثم الإخوة...). |
| المالكية | أمُّ الأمِّ، ثم الخالة، ثم الجدّة للأمّ، ثم الأب، ثم الأخت، ثم العمّة، ويُقدَّم عند التساوي الأكثر صيانةً وشفقةً ثم الأكبر سنًّا. |
| الشافعية | أمهات الأمّ المدليات بإناث، ثم أمُّ الأب، ثم الأخت، ثم الخالة، ثم بنت الأخت، ثم بنت الأخ، ثم العمّة، ثم يُصار إلى المحارم من الرجال على ترتيب الإرث. |
| الحنابلة | أمهات الأمّ، ثم الأب، ثم أمهاته، ثم الجدّ وأمهاته، ثم الأخت، ثم الخالة، ثم العمّة، ثم بقية العصبة الأقرب فالأقرب. وهذا ما حرّره صاحب كشاف القناع. |
نصَّت المادة (127) من نظام الأحوال الشخصية على أن الحضانة في الأصل للأمِّ، ولو كانت هي من طلب الفُرقة، ما لم تقرِّر المحكمة خلافَ ذلك بناءً على مصلحة المحضون؛ وهذا تنصيصٌ مهمٌّ يقطع ما كان يُثار من أن طلب المرأة للطلاق يُسقط حضانتها، فجعل المنظِّم الأصلَ بقاءَ الحضانة لها. وقد رتَّب العمل النظاميُّ مستحقي الحضانة — عند عدم الاتفاق — على نحوٍ يُقدِّم الأمَّ، ثم الأبَ، ثم الجدةَ لأمٍّ، ثم الجدةَ لأبٍ، ثم تنظر المحكمةُ فيمن يليهم وفق مصلحة المحضون ودرجة القرابة. وبهذا قدَّم النظام الأبَ على الجدّات خلافًا للمشهور عند الحنابلة، أخذًا بالرواية الأخرى عن أحمد، ومراعاةً لأن الأبَ هو المسؤول عن النفقة والولاية والصيانة. على أن هذا الترتيب ليس قاطعًا، إذ للمحكمة تعديلُه متى رأت أن مصلحة المحضون تقتضي إسناد الحضانة إلى غير صاحب المرتبة.
إذا تقرَّر أن الأصل ثبوت الحضانة للأمِّ، فإن الحضانة تنتقل إلى الأب في مواضع، أجمعُها أمران: سقوط حضانة الأمِّ لمانع، أو بلوغ المحضون سنًّا يكون الأب فيه أحفظ له وأقدر على مصالحه. فمن المواضع التي تكون فيها الحضانة للأب: أن تسقط حضانة الأمِّ بزواجها من أجنبيٍّ عن المحضون، أو بفوات شرطٍ من شروط الحضانة فيها كأن تُصاب بمانعٍ من جنونٍ أو مرضٍ مُضِرٍّ، أو بانتقالها إلى مكانٍ تفوتُ به مصلحةُ المحضون، أو بإسقاطها حقَّها، أو بعجزها عن القيام بشأن المحضون؛ ففي هذه الأحوال يكون الأب هو الأولى لكونه صاحب المرتبة التالية، ما لم يكن ثَمَّ مانعٌ فيه أو تقتضِ المصلحةُ غيرَه.
أبرز الشروط العامة: الإسلامُ إذا كان المحضون مسلمًا، إذ لا ولاية لكافرٍ على مسلمٍ، وخشية الفتنة في دينه. والعقلُ، فلا حضانة لطفلٍ ولا مجنونٍ ولا معتوهٍ لعجزهم عن إدارة أمورهم. والأمانةُ في الدين، فلا حضانة لفاسقٍ فسقًا يضيع به المحضون. والقدرةُ على القيام بشأن المحضون، فلا حضانة لعاجزٍ عنها. وقد جمع النظام هذه المعاني في المادة (125)، فاشترط في الحاضن كمال الأهلية — بأن يكون بالغًا عاقلًا راشدًا — والقدرة على تربية المحضون وحفظه ورعايته، والسلامة من الأمراض المعدية الخطيرة؛ فجاءت موافقةً لأصولها الفقهية مع صياغةٍ نظاميةٍ موجزةٍ.
يُشترط في الحاضنة المرأة ألّا تكون متزوجةً بأجنبيٍّ عن المحضون؛ لانشغالها بحقِّ الزوج، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي». فإن تزوَّجت بقريبٍ له حقٌّ في حضانته كالجدة تتزوَّج بالجدِّ، لم تسقط حضانتُها. ويُشترط في الحاضن الرجل أن يكون ذا رحمٍ محرمٍ للمحضونة إذا كانت أنثى مشتهاة. وقد ضبط النظام هذه الشروط في المادة (126)، وفي العبارة الأخيرة «ما لم تقتضِ مصلحتُه خلافَ ذلك» ما يفتح للقاضي باب النظر في إبقاء الحضانة للأمِّ ولو تزوَّجت متى كان ذلك أصلح للمحضون.
تسقط الحضانة بوجود مانعٍ منها، أو بزوال شرطٍ من شروط استحقاقها. فمن جملة ما تسقط به عند الفقهاء: زواج الحاضنة بأجنبيٍّ عن المحضون، وإصابة الحاضن بآفةٍ كالجنون والعتَه، أو مرضٍ يضرُّ بالمحضون، أو سفر الوليِّ أو الحاضن سفرَ نُقلةٍ، أو إسقاط المستحقِّ حقَّه. وقد حصر النظام في المادة (128) أبرز المسقطات في: تخلُّف شرطٍ من الشروط المنصوص عليها في المادتين (125) و(126)، وانتقال الحاضن إلى مكانٍ تفوتُ به مصلحةُ المحضون، وسكوت مستحقِّ الحضانة عن المطالبة بها أكثر من سنةٍ دون عذرٍ، ما لم تقتضِ مصلحةُ المحضون خلافَ ذلك؛ فجعل مدارها كذلك على المصلحة.
هذا المسقط هو أكثر المسقطات ورودًا في العمل، ومحلُّه أن تتزوَّج الأمُّ بأجنبيٍّ عن المحضون، أي بمن ليس بينه وبين المحضون قرابةٌ تمنع من نكاحه. وقد قيَّده النظام ولائحته بقيودٍ ترفُق بالأمِّ والمحضون معًا: فلا تسقط حضانة الأمِّ بزواجها إذا لم يُتمَّ المحضون عامين، لشدة حاجته إليها في هذه السنِّ؛ كما لا تسقط إذا كان الزوج الجديد قريبًا للمحضون غيرَ أجنبيٍّ عنه. ثم هي بعد ذلك كلِّه خاضعةٌ لتقدير المحكمة في إبقائها إن كان الأصلح للمحضون.
قد يُظَنُّ أن الحضانة لا تثبُت إلا بعد الطلاق، وأنها فرعٌ عنه لا تُتصَوَّر بدونه، وهذا تصورٌ يحتاج إلى تحريرٍ. فالحضانة في حقيقتها قائمةٌ منذ ولادة الصغير، والنكاح إذا كان قائمًا بين الأبوين فالحضانة لهما معًا، ولا يثور النزاع فيها غالبًا إلا عند الفُرقة؛ ولذلك يقال: إن الفُرقة سببُ ظهور النزاع في الحضانة لا سببُ ثبوتها. ومما يؤكِّد استقلال الحضانة عن مجرد وقوع الطلاق: أن النظام نصَّ في المادة (127) على بقاء الحضانة للأمِّ ولو كانت هي طالبة الفُرقة؛ فلم يجعل المنظِّم كون الطلاق بطلبها قادحًا في حقِّها. فالعلاقة بين الحضانة والطلاق علاقةُ ظرفٍ ومحلٍّ لإعمال أحكامها، لا علاقةُ شرطٍ ومشروطٍ في أصل ثبوتها.
إذا امتنعت الحضانةُ لمانعٍ ثم زال المانع — كأن يعقِل المجنون، أو يتوب الفاسق، أو يُشفى المريض — عاد حقُّ الحضانة؛ عملًا بالقاعدة المعروفة: «إذا زال المانع عاد الممنوع». وقد عبَّر عنه النظام بجعل الحضانة حقًّا قابلًا للاسترداد في المادة (130) متى زال سبب سقوطها.
اختلف الفقهاء في أمد حضانة النساء على الصغير؛ فعند الحنابلة والشافعية يُخيَّر الغلام المميِّز بين أبويه عند بلوغه سبعًا، فيكون مع من اختار منهما. وقد اختار النظام السعوديُّ في المادة (135) ضابطًا منضبطًا: فجعل من دون الخامسة عشرة تحت ترتيب الحاضنين وفق المصلحة، فإذا أتمَّ المحضون الخامسة عشرة كان له الخيار في الإقامة لدى أحد والديه ما لم تقتضِ مصلحته خلاف ذلك، وتنتهي الحضانة بإتمامه الثامنة عشرة؛ فبلغ بذلك سنَّ الرشد القانونيِّ فيختار محلَّ إقامته بنفسه.
نظَّم النظام السفر بالمحضون خارج المملكة في المادة (129)، فقيَّد سفر الحاضن من الوالدين بالمحضون مدةً تزيد على القدر المحدد نظامًا بموافقة الطرف الآخر أو الوليِّ، وشدَّد في سفر الحاضن من غير الوالدين؛ صيانةً لحقِّ الطرف الآخر في التواصل مع المحضون. كما نظَّم زيارة المحضون في المادة (134)، فجعل لمن ليس المحضون في حضانته من الوالدين حقَّ زيارته واستزارته واصطحابه بحسب ما يتفقان عليه، فإن اختلفا قرَّرت المحكمةُ ما تراه محقِّقًا لمصلحة المحضون؛ وهو موافقٌ لما قرَّره الفقهاء من أن لكلٍّ من الأبوين بعد الفُرقة حقَّ رؤية المحضون وزيارته، وأن المنع من ذلك إغراءٌ بالعقوق وقطيعةٌ للرحم.
ينتهي البحث إلى أن الحضانة في النظام السعوديِّ بُنيت على أصولها الفقهية ولم تنفصل عنها، غير أن المنظِّم ضبطها بموادَّ محكمةٍ، واختار من أقوال الفقهاء ما رآه أحفظَ لمصلحة المحضون. فالأصل ثبوت الحضانة للأمِّ ولو طلبت الفُرقة، ثم للأب، ثم للجدّات، ثم لمن يليهم وفق تقدير المحكمة. وتثبُت للأب خاصةً عند سقوطها عن الأمِّ بمانعٍ، أو عند بلوغ المحضون سنًّا يكون الأب فيه أحفظ له. والمعيار الحاكم في الباب كلِّه هو مصلحةُ المحضون؛ فهي الميزان الذي تُقاس إليه شروط الحاضن ومسقطاتُ حضانته وترتيبُ مستحقيه وسنُّ انتهائها، حتى صارت عبارةُ «ما لم تقتضِ مصلحةُ المحضون خلافَ ذلك» روحَ نصوص الحضانة في النظام ولائحته. وأما علاقةُ الحضانة بالطلاق فعلاقةُ ظرفٍ تظهر فيه أحكامُها لا شرطٍ في ثبوتها، فالحضانة قائمةٌ مع الزوجية، ولا يقدَح في حقِّ الأمِّ كونُها طالبةَ الفُرقة.
قضايا الحضانة تدور على مصلحة المحضون، وتكييفُها الصحيح هو ما يحفظ حقك وحق طفلك. تواصل مع المكتب لدراسة حالتك وتحديد المسار النظامي الأمثل في سرّية تامة.
تنبيه: هذا البحث مادة توعوية نظامية عامة لا تغني عن الاستشارة القانونية المتخصصة في الواقعة بعينها، وأرقام المواد وعقوباتها مبنية على الأنظمة النافذة، ويُتحقق منها على النص النافذ عند كل تطبيق.